محمد راغب الطباخ الحلبي
446
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
الشيخ العالم العامل المحقق الكامل المتقن الخطيب بجامع الخسروية ، والمدرس بأموي حلب . ولد بحلب في سنة ثمانين وألف ، وكان والده طباخا فأثرى حاله واقتنى من أنواع أواني النحاس شيئا كثيرا ، وكان يؤجرها إلى الناس في الأفراح واتخذها حرفة ، ثم ولده المترجم نشأ في حياته موفر الدواعي مرفه البال ، وكان ذكيا نجيبا ، فاشتغل بطلب العلم واكتساب الكمال ، فلازم الشيخ مصطفى الحفسر جاوي وأكثر عنه وانتفع به وعليه تخرج وبرع في الفقه وأخذه وسائر العلوم عنه . وقرأ التفسير على المولى أحمد الكواكبي ، والحديث وفقه الحنفية والأصول على ولده أبي السعود الكواكبي ، وقرأ على الشيخ أحمد الشراباتي وعلى الشيخ سالم المكي وعلى غيرهم من علماء عصره وأكثر عن الواردين ، وبرع في المذهبين ، وكان سريع الاستحضار لأكثر المسائل . واقتنى الكتب النفيسة النافعة كثيرا ، واعتنى بتصحيحها وضبطها لملازمته إقراءها . وكان يخبر عن نفسه أنه أكثر لياليه لا يضع جنبه على الأرض للنوم بل يتكئ في زاوية البيت ويضع الإحرام على ركبتيه والمصباح عند رأسه ويطالع ، فإذا استيقظ تناول الكتاب واشتغل بالمطالعة ، ويقول إن هذه الكيفية في المطالعة فائدتها كلية ، لأن الإنسان إذا نام عقب المطالعة وأعادها حين استيقاظه من النوم علق ذلك في ذهنه بحيث إنه لا يزول . وكان له تقرير بتحقيق وتدقيق من غير حشو ولا تلعثم ولا توقف ، وانتفع عليه خلائق كثير . ولما انحلت خطابة الخسروية عن الشيخ عبد اللطيف الزوائدي وجهت على صاحب الترجمة ، وكان من الخطباء المحسنين . وكان شديد الإنكار والتعصب على الدخان وشاربه حتى كاد أن يقول بحرمته ، وكان إذا حضر في مجالس من يحتشمونه لا يشربون أبدا ، وإذا شرب في مجلس أمسك أنفه بأصابعه وتأنف وقال : يا أخي اكفف أذاك عنا ، واستمر على ذلك إلى قبيل موته بنحو عامين حتى اعتراه حادر حار فعالجه فلم يفده شيئا ، فوصف له الدخان فتوقف برهة وزاد به الألم فشربه وترك الاعتراض . وكان معاصره الشيخ قاسم البكرجي مثله بل أشد تعصبا منه ، فحصل له قبل موته حادر ذهبت به عينه الواحدة ، فأمره الطبيب بشرب الدخان خوفا على عينه الثانية فشربه . وقد شاهدته في بلدتنا دمشق الشام وقع لبعض أحبابنا من